
هناك حب بين الرجل والمرأة... يفيض بالحماس والحرارة والمتعة...
وهناك حب بين التلميذ والمعلم... يغوص بالاستسلام والهدوء والحكمة...
وهناك إمكانية ثالثة لأفنى وأكون كياناً من الحب... في كل لحظة وفسحة...
هل الحب شيء يتغير باستمرار في الإنسان...!!
يأتي ويذهب، ويحمل مختلف الأشكال والألوان...
أم أن الحب ببساطة هو كل شيء يكون في كل زمان ومكان؟

يا صديقي... الحب الذي يأتي ويذهب ليس إلا انعكاساً للحب الحقيقي.
البدر مكتمل في السماء وتنعكس صورته في البحيرة الهادئة... الانعكاس يشبه البدر تماماً، لكنه يمكن أن يتشوش بسهولة بمجرد مرور نسمة خفيفة... فيتشتت إلى آلاف القطع الفضية التي تملأ كل البحيرة، بعدها عندما تعود البحيرة إلى هدوئها يظهر البدر من جديد.
لكن القمر الحقيقي الموجود في السماء لا يتعكر بالرياح ولا بالعواصف والعواطف في الفصول... حتى أنه يبقى موجوداً في النهار بالرغم من أنك لا تستطيع أن تراه بسبب نور الشمس القوي.
الحب هو الحالة ذاتها بالضبط... الحب الحقيقي هو فقط أن تكون حبّاً... نبعاً يفيض بالحب... إنه ليس علاقة أو تعليقة، بل هو ذاتك وحالك في الحقيقة.
ليس له أي علاقة بأي شخص محدد، بل أنت ببساطة مليء بالحب...
يمكن للكثيرين أن يشاركوا به، ويمكن لأي عطشان أن يروي ظمأه منه....
هذا الحال من التجلي بالحب هو قمّة الوعي الأعلى والأسمى.. يمكن أن نسميها حالة اليقظة أو الاستنارة بنور الله المحبة والرحمة... حالة كل أولياء الله والعارفين والسالكين.
وما أُرسلتُ إلا رحمةً للعالمين...
الحب كحالة داخلية ما هو إلا إمكانية متاحة لأي مريد يريد فيأخذ ويزيد......
يمكنك أخذ ما تشاء حتى أكثر مما يشاء... يمكنك ملء ذاتك بقدر استطاعتك...
نبع الحب غير محدود.. يفيض باستمرار ولا يمكن أن تحبسه السدود...
إنسان في هذا الحال.. حتى لو كان جالساً لوحده يستمر بإطلاق أنوار الحب...
وهذا الحب ينعكس بأنواع مختلفة وملونة لكنها كلها ليست إلا انعكاسات في المرآة.
الحب بين الأصدقاء: يمكن أن يظهر بعدة أشكال لكنها دائماً متغيرة... ولا بدّ أن تتغير لأنها مجرد انعكاسات.. خيالات... وزوالها يجلب الكثير من التعاسة.
عندما تنعكس صورة القمر في البحيرة هناك فرح وجمال.. وعندما تتبدد بالرياح أو بمجرد حجرة صغيرة ترميها في الماء، يزول كل شيء ويتبعثر...
وأنت تعلم من تجاربك أن علاقات الحب مع الأصدقاء، مع الأزواج والزوجات، مع المعلمين وإخوة الطريق، كلها أشياء رقيقة مرهفة وخفيفة... أي شيء صغير يحدث وستجد اختفاء كل الحب... والحب لن يختفي فحسب بل سينقلب إلى ضده!
الأصدقاء سيتحولون إلى أعداء، الزوج والزوجة لا يحتاجون لأن يتحولوا لأنهم أعداء من الأساس، التلميذ سيخون ويبيع معلمه وهكذا... نحن نعرف ونختبر كل هذه الأشكال من الحب وهي كلها مشروطة.
حتى حب الأهل لأولادهم مشروط: إذا أطعتهم باستمرار ولم تتمرد وتقفز في الدار، وإذا كنت ستصير كما أرادوا لك أن تصير: سيحبّوك كثيراً... أما إذا سلكتَ طريقك الخاص بك، سنجد أن الأهل يمكن حتى أن يهجروا أولادهم ويتبرؤوا منهم ويحرمونهم من الميراث.
لكن هذه الانعكاسات تدلّ وتشير إلى شيء حقيقي تنعكس صورته هنا وهناك.
بدون شيء حقيقي لا يمكن أن يتشكل أي انعكاس.
في الإنسان المستنير، الحب هو طبيعته وفطرته... هواء نفَسه ونبضُ قلبه...
أينما يكون يستمر كالغيمة يهطل بأمطار الخير... وهطوله غير مشروط!
لا يطلب أي شيء منك، ولذلك لا يمكن أن يتعكر أو يتكسر...
وما لم تعرف هذا الحب، فاعلَم أنك كنت ولا تزال تحلم وتفكر بالحب.
كل هذه الانعكاسات ما هي إلا أحلام، وتجلب كثيراً من التعاسة والهم والقلق، وبين بين، تعطيك بعض اللحظات من المتعة... هذه اللحظات ليست إلا عزاء وتعويضات.
الحب الأصيل هو اكتفاء ورضى كبير في قرارة نفسك... اجتماع طاقاتك في مركز كيانك... هذه الاجتماع ليس جماع أو اجتماع سياسي ولا فرق، بل هو صقل لجوهرة حياتك يصنع تحوّلاً مذهلاً في وعيك وطاقتك... عندها أينما تكون، الحب سيكون..
مع البحر والشجر... مع الجبال والنجوم والبشر.. مع الطير والحجر...
لا تستطيع القيام بأي شيء، بل الحب ببساطة سيشع منك.
لقد صار لبَّ حياتك... لا يمكنك أن تمنعه وإلا ستقتل نفسك كأنك تنتحر!
من "علاقات الحب" عندك، تعلّم شيئاً واحداً فقط: أنه لا بدّ من وجود شيء أصيل وحقيقي وأبدي ينعكس في مرايا العلاقات. وإلى أن تعرف ذلك الحب ستعاني كثيراً ولن تجني شيئاً، ستضيّع وقتك وطاقتك وحيواتك في لعبة "المحبة والكراهية" دون أي محصول.
وذلك الحب يمكن أن يُعرف لأنه قدرتك المفطور عليها، البذرة التي أتت معك منذ ولادتك، وما عليك إلا الاعتناء بها قليلاً وستبدأ بالنمو.... وقريباً ستمتلئ نفسك بالأزهار... لقد أتى الربيع وطلع البدر علينا يا سلام... وعندما يأتي مرةً لن يغادرك أبداً حتى آخر لحظة.
|!
!|
|!
درب الهوى